أحمد بن علي القلقشندي
582
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
النصر ، ثم ينعطف على يساره طالبا باب الفتوح ، وربما عطف عند خروجه من باب النصر على يساره ، وسار بجانب السّور حتّى يأتي باب الفتوح فيدخل منه . وكيفما كان فإنه يدخل منه ، ويسير الموكب حتّى ينتهي بين القصرين فيقف العسكر هناك على ما كان عليه عند الركاب ويترجّل الأمراء . فإذا انتهى الخليفة إلى الجامع الأقمر وقف هناك في جماعته وينفرج الموكب للوزير فيتحرّك مسرعا ليصير أمام الخليفة . فإذا مرّ بالخليفة ، سكع ( 1 ) له سكعة ظاهرة ، فيشير الخليفة بالسلام عليه إشارة خفيفة ، وهذه أعظم كرامة تصدر من الخليفة ، ولا تكون إلا للوزير صاحب السيف . فإذا جاوز الوزير الخليفة ، سبقه إلى باب القصر ودخل راكبا على عادته والأمراء أمامه مشاة إلى الموضع الذي ركب منه بدهليز العمود المقدّم ذكره ، فيترجل هناك ويقف هو والأمراء لانتظار الخليفة . فإذا انتهى الخليفة إلى باب القصر ، ترجل الأستاذون المحنّكون ودخل الخليفة القصر وهو راكب والأستاذون محدقون به . فإذا انتهى إلى الوزير ، مشى الوزير أمام وجه فرسه إلى الكرسيّ الذي ركب من عليه فيخدمه الوزير والأمراء ، وينصرفون ويدخل الخليفة إلى دوره . فإذا خرج الوزير إلى مكان ترجّله ركب ، والأمراء بين يديه ، وأقاربه حواليه إلى خارج باب القصر ، فيركب منهم من يستحق الركوب ، ويمشي من يستحق المشي ، ويسيرون في خدمته إلى داره ، فيدخل راكبا وينزل على كرسيّ فيخدمه الجماعة وينصرفون ، وقد رأى الناس من حسن الموكب ما أبهجهم وراق خواطرهم ، ويتفرّق الناس إلى أماكنهم فيجدون الخليفة قد أرسل إليهم الغرّة : وهي دنانير رباعية ودراهم خفاف مدوّرة ، ويكون الخليفة قد أمر بضربها في العشر الأخير من ذي الحجة برسم التفرقة في هذا اليوم ، لكل واحد من الوزير والأمراء وأرباب المراتب من حملة السيوف والأقلام قدر مخصوص من ذلك ، فيقبلونها على سبيل التبرك من الخليفة ، ويكتب إلى البلاد والأعمال مخلَّقات بالبشائر بركوب أوّل العام كما يكتب بوفاء النيل وركوب الميدان الآن .
--> ( 1 ) سكع أي مشى مشيا متعسفا لا يدري أين يأخذ في بلاد اللَّه . ( القاموس : 3 / 40 ) .